وهبة الزحيلي

142

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم ثنّى بالمجاهرة ؛ لأن النصح بين الملأ تقريع وتغليظ ، فلم يؤثر . ثم جمع بين الأمرين : الإسرار والإعلان ، كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع . ومعنى ثُمَّ الدلالة على تباعد الأحوال ، وتفاوت درجة الأسلوب ، لأن الجهار أغلظ من الإسرار ، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما . وهذا مشابه لمراحل الدعوة التي قام بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة وجزيرة العرب ، فكان موقف كفار قريش مماثلا لموقف قوم نوح : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت 41 / 26 ] . ثم فسر الدعوة وأبان مضمونها بقوله : فَقُلْتُ : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ، إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً أي فقلت لهؤلاء القوم : سلوا ربكم غفران ذنوبكم السابقة بإخلاص النية ، وتوبوا إلى اللّه من الكفر والمعاصي ، إن ربكم الذي خلقكم وربّاكم كثير المغفرة للمذنبين . وفيه دلالة على أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء ، لأن الفقر والقحط والآلام والمخاوف بشؤم المعاصي ، فإذا تابوا واستغفروا ، زال الشؤم والبلاء ، وعاد الخير والنماء . ثم وعدهم على التوبة من الكفر والمعاصي بخمسة أشياء ، فقال : 1 - يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً أي إن استغفرتم ربكم يرسل المطر عليكم متتابعا ، كثير الدرور والغزارة ، فيكثر الخير والخصب والغلال والثمار ، ويعم الرخاء والاطمئنان والسعادة والاستقرار ، ويمددكم بالأموال الكثيرة ويعطكم الخيرات الوفيرة ، ويكثر لكم الذرية والأولاد بسبب الأمن والرفاه والشعور بالاستقرار